صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

307

شرح أصول الكافي

يضطرب في غشيته مدّة ، فلمّا افاق قال : سبحانك تبت أليك وتوكلت عليك وآمنت بأنك الملك الجبار الواحد القهار ، فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك ولا أعوذ الا بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك . فعند هذا رجع السالك واعتذر من أسئلته ومعاتبته وقال لليمين والقلم والعلم والإرادة والقدرة وما بعدها : اقبلوا عذرى فانى كنت غريبا حديث العهد بالدّخول في هذه البلاد ولكل داخل دهشة ، فما كان انكارى عليكم الا عن قصور وجهل ، الآن قد صح عندي عذركم وانكشف لي ان المتفرد بالملك والملكوت والعزة والجبروت هو الواحد القهّار ، فما أنتم الا مسخرون تحت قهره وقدرته ، مرددون في قبضته ، وهو الاوّل والاخر والظاهر والباطن . انتهى كلامه تلخيصا . فظهر وتحقق من هذا التوحيد ان فعل العبد بما هو فعله الله ، لا ان هاهنا فعلان أحدهما للحق والاخر للعبد ، ولا كما يقوله المجبرة : ان لا تأثير لإرادة العبد وقدرته ولا تقدم منه على الفعل بالذات ولا كما يقوله القدرية : ان الفعل للعبد خاصة ولا كما يقوله الآخرون من : ان العبد مع قدرته وارادته الجازمة وارتفاع الموانع فاعل قريب مستقل في فعله وانما الحاجة إليه تعالى بالواسطة لانّه مبدأ المبادى وعلة العلل ، حتى أنه لو أمكن وجود العبد واختياره بدونه تعالى لما توقف فعله الا عليه ، وهؤلاء زعموا ان اثر العلة البعيدة لا يصل إلى المعلول الأخير بل الامر كما ذكر في « 1 » مثال الكتابة والقلم واليمين . فلو كان للقلم عقل ونطق فكان له ان يقول : انى كتبت ، وكان صادقا في ما قاله وكان أيضا للكاتب حينئذ ان يقول لقلمه : ما كتبت إذ كتبت ولكنّى كتبت ، وكلا القولين صادقين على ذلك التقدير كما قال تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 2 » ، فهكذا سبيل افعال العباد في نسبتها إليه تعالى من الجهة التي نسبت إلى العباد من غير شركة في الفاعلية ، ولا جبر أيضا ولا تفويض لكن ادراكه عسر جدا الا لمن نور الله قلبه وشرح صدره ، وهذا هو المذهب الرابع الّذي وعدنا بيانه في الحديث السابق و

--> ( 1 ) . من . النسخة البدل ( 2 ) . الأنفال / 17